بحث حول الصحافة المكتوبة
![]() |
خطة البحث:
مقدمة الفصل الأول: مفهوم الصحافة المكتوبة
المبحث الأول: تعريف و خصائص الصحافة المكتوبة
المبحث الثاني: التطور التاريخي الصحافة المكتوبة
الفصل الثاني: تطور الصحافة المكتوبة في العالم العربي
المبحث الأول: الصحافة المكتوبة العربية
المبحث الثاني: الصحافة المكتوبة في الجزائر خاتمة
مقدمة:
طبيعة الإنسان الاجتماعية تجعله يهتم بما يدور حوله و يبحث عن وسيلة للتعبير بها عن آرائه، من هنا كانت الصحافة أول وسيلة إعلامية وأقدمها، استخدمها الإنسان لأداء هذه المهمة، لتوصيله بالعالم الخارجي، وإمداده بالأخبار والمعلومات عما يحدث خارج بيئته و داخلها من هنا كانت الصحافة منذ القديم تهتم بنشر الأخبار المختلفة، وشرحها و التعليق عليها. والصحافة المكتوبة من بين هذه الوسائل التي تقوم عليها سياسات التنمية الشاملة عبر كل دول العالم لأنها أداة لنقل المعلومات وتشكيل الرأي العام وتوجيهه ونشر أفكار وثقافة الفئات المهيمنة. من هذا تطرح التساؤل التالي: ما هي الصحافة المكتوبة؟
الفصل الأول: مفهوم الصحافة المكتوبة
المبحث الأول: تعريف و خصائص الصحافة المكتوبة
في قاموس أكسفورد كلمة صحافة بمعنى Press وهي شيء مرتبط بالطبع و الطباعة و نشر الأخبار و المعلومات، و هي تعني أيضا Journal و يقصد بها الصحيفة، و Journalism بمعنى الصحافة، و Journalist بمعنى الصحفي، فكلمة الصحافة إذن تشمل الصحيفة والصحفي في الوقت نفسه. أما في المعجم الوسيط فكلمة الصحافة تعني مجموعة من الصفحات تصدر يوميا أو في مواعيد منتظمة، و جمعها صحف و صحائف و الصحفي من يأخذ العلم م الصحيفة لا عن أستاذ. و الصحافة المكتوبة هي التي تكون في شكل صحف ودوريات مطبوعة تصدر من عدة نسخ و تظهر بشكل منتظم و في مواعيد ثابتة متقاربة أو متباعدة. 2 أما الصحف فهي عبارة عن دوريات عرفتها منظمة اليونسكو سنة 1964 بأنها كل المطبوعات التي تصدر على فترات محددة أو غير محددة ) منتظمة أو غير منتظمة )، و لها عنوان واحد ينتظم جميع حلقاتها ( أو أعدادها ) و يشترك في تحريرها العديد من الكتاب، و يقصد بها أن تصدر إلى مالا نهاية ) أي لا يوضع حد معين تقف عنده الدورية وتحتجب عن الصدور ). 3 وقد تم تقسيم الدوريات إلى نوعين رئيسيين الجرائد اليومية هي الصحف التي تصدر أربع مرات أسبوعيا على الأقل، و الجرائد غير اليومية، التي تصدر أقل من أربع مرات في الأسبوع، و منها الأسبوعية. المجلات تصدر في دورية معينة أقلها أسبوعيا، أو شهرية أو سنوية أو أكثر، وتنقسم إلى مجلات تهم المثقف العام، و مجلات متخصصة في أي مجال من المجالات التي تهم المتخصصين. * ا فاروق أبو زيد المدخل إلى علم الصحافة عالم الكتب، مصر، 1986، ص 37 بوسيالة زهيرة الصحافة المكتوبة والديمقراطية في الجزائر : دراسة مسحية على عينة من قراء الصحف في الجزائر العاصمة في الفترة ما بين 15 مارس و 5 أفريل 2004 مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر، كلية العلوم السياسية 18 والإعلام
محمد فريد محمود عزت، مدخل إلى الصحافة، 1993، من 50 نفس المرجع، نفس الصفحة.
مفهوم الصحافة المكتوبة يجمع بين الجرائد والمجلات، لكن لكل منهما خصائص مختلفة، تتجسد في النقاط التالية: تميل أحجام المجلات إلى الصغر، بينما تميل أحجام الجرائد إلى الكبر، لكن في بعض الحالات قد تصدر الجرائد في أحجام صغيرة قد تصل إلى حجم الكتاب، وكذلك توجد بعض المجلات التي ازداد حجمها و اقترب من حجم الجرائد. المجلة لابد لها من غلاف يجمع صفحاتها، في حين أن الجريدة لا تحتاج إلى هذا الغلاف. كانت أغلب الجرائد تطبع عن طريق الطباعة البارزة في حين أن غالبية المجلات كانت تطبع بطريقة الطباعة الغائرة، لكن هذا الفرق تلاشى الآن. تهتم غالبية المجلات بالصور، وتمثل الصور والرسوم و الكاريكاتير نسبة كبيرة من صفحاتها، كذلك فالصورة تعتبر عنصرا جوهريا لغلاف أي مجلة، في حين أن الجرائد لا يصل اهتمامها بالصور إلى نفس مدى اهتمام المجلة بها، بل توجد بعض الصحف المحافظة التي تميل إلى عدم نشر الصور. تستخدم غالبية المجلات أنواعا من الورق أكثر جودة من الذي تستخدمه الجرائد، فورق الجرائد هو ورق الطباعة الرخيص بينما ورق المجلات هو ورق الطباعة الجيد الذي عادة يكون خاليا من الشوائب والعيوب والتموجات تتوسع المجلات في استخدام الألوان خاصة المجلات المصورة، ويساعدها في ذلك مواعيد الصدور المتباعدة بين كل عدد، في حين أن الإصدار اليومي لغالبية الجرائد يحول بينها و بين التوسع في استخدام الألوان . تتمتع الصحافة المكتوبة بمجموعة من الخصائص، نذكر منها: الصحافة المكتوبة تتمتع بقوة الكلمة المطبوعة و العامل النفسي من خلال اختيار الأخبار و تقديمها بطرق شتى. الصحافة المكتوبة تربط بين جميع الآراء المشتتة التي يمكن أن توجد و هي تخلق قوة العدد و توجه العقول ويتضح ذلك من خلال فرضها أغلب موضوعاتها على الأحاديث، و يأتي تأثير الصحافة من شكلها المادي، إذ أنها تتمتع بقوة الكلمة المطبوعة : فاروق أبو زيد نفس المرجع، ص ص 174 - 176 نور الدين أبو الرتم واقع الممارسة الصحفية المكتوبة في الجزائر : دراسة ميدانية بمدينة قسنطينة، مذكرة ماجستير. جامعة منتوري، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية 2007 - 2008، ص 57 4
تعد الصحف من أقدم وسائل الإعلام، وتجد فيها خصائص موجودة في كل وسائل الإعلام الأخرى، فبينما لا تستطيع الجريدة أن تقدم الأخبار بالسرعة التي يقدمها الراديو، ولا تستطيع أن تحتفظ بالمعلومات بالشكل الذي يقوم به الكتاب ولا تستطيع أن تقدم وجهات النظر بتطويل مثل المجلات ولا بشكل أقرب إلى الواقع مثل التلفزيون إلا أنها تستطيع أن تفعل كل هذه الأشياء بشكل ربما أفضل من أي وسيلة أخرى، ولهذا أصبحت الصحف جزءا لا يتجزأ من حياة الأفراد. . تتميز الوسائل المطبوعة ( الصحف والمجلات ( بمزايا حافظت من خلالها على حضورها في المجتمع الجماهيري على الرغم من انجذاب أعداد كبيرة من الجمهور تجاه وسائل ترفيه أخرى زاحمت الوسيلة المطبوعة بشراسة في بدايتها عندما استحوذت حتى على نسب كبيرة من أرقام السوق الإعلانية، فالصحيفة تتيح للقارئ ميزة الاختيار من بين عدد كبير من الرسائل والمضامين والأخبار والموضوعات التي تقدمها يوميا أو أسبوعيا، فالقارئ بإمكانه تجاهل المادة أو الموضوع الذي يتنافر معرفيا معه أو الخبر أو التعليق الذي لا يتوافق واتجاهاته السياسية والفكرية. . كما أن الصحيفة على غرار وسائل الإعلام الأخرى تسمح للقراء بالسيطرة على ظرف التعرض لها فالفرد يقرأ الصحيفة في المكان والزمان اللذين يراهما مناسبان، وبالطريقة التي يريد، كما باستطاعته تحديد من أين يبدأ أو متى ينتهي، وتوفر له الصحيفة أيضا إمكانية قراءة الرسالة أكثر من مرة مما يتيح له فرصة كافية لاستيعاب معناها وإعادة النظر في تفاصيلها. . ا ذهبية سيدهم، الأساليب الإقناعية في الصحافة المكتوبة دراسة تحليلية للمضامين الصحية في جريدة الخير، مذكرة ماجستير، جامعة منتوري، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية 2004 - 2005، ص ص 3635 5
المبحث الثاني: التطور التاريخي الصحافة المكتوبة
في جميع الأطوار التي مرت بها البشرية كان الإعلام يواجه تحديات جديدة، وفي الوقت الذي تتغير وتتضاعف أشكال إنتاجه وتوزيعه فإن المجتمعات البشرية تتساءل عن تأثرها به عن سلطته وعن أخطاره ويرى بعض المؤرخين في مجال الإعلام أن نشأة الإعلام في تعريفه العام كانت في القرن السابع عشر ميلادي، بميلاد الصحف الأولى مثل تلك الصحف التي أصدرت سنة 1631، وكانت تحتوي عدة صفحات توزع بانتظام. في حين يرجع مؤرخون آخرون ظهور النماذج الأولى من الإعلام بشكل عام و الإعلام المكتوب بشكل خاص إلى روما، وكانت هذه النماذج تسمى بـ الأكتابيبليكا Publica و الأكتاديرنا Durna Acta انتشرت هذه النماذج في العديد من بلدان أوروبا في تلك الفترة، حيث ظهر في ألمانيا نموذج أوراق تتناول أخبار الأسواق التجارية والمصارف. ثم تطورت هذه الأوراق إلى نماذج جديدة تمثلت في أوراق المناسبات والبط Les Occasionnelles et les Canard وتتناول الأخبار والأنباء العامة والكوارث. كما ظهرت الصحف التي عرفت باسم Libelles ، وهي دفاتر تتناول موضوعات دينية وسياسية متنوعة، وقد كان لاكتشاف الطباعة وتطور وسائل النقل والمواصلات دفعا جديدا لظهور الصحافة المكتوبة بنماذجها الحديثة، حيث ظهرت الصحف الدورية لتتحول فيما بعد إلى صحف أسبوعية ابتداء من القرن السابع عشر للميلاد، وكان إلى جانب ظهور الطباعة وتطور وسائل النقل عوامل أخرى ساعدت على تطور وسائل الإعلام وانتشارها، ويمكن أن نورد منها النهضة الأوروبية، الاكتشافات الجغرافية، تطور الخدمة البنكية والمصرفية والتجارية بين أوروبا والخارج .... إلخ. في منتصف القرن السابع عشر كانت هناك مراسلات خطية منظمة في ألمانيا وايطاليا قبل قرنين من اكتشاف المطبعة، واعتبرت مدينة البندقية الملتقى التجاري للمطبوعات والتي كانت تحمل اسم: أفيسي Avissi فتيحة أوهايبية الصحافة المكتوبة في الجزائر قراءة تاريخية مجلة العلوم الإنسانية و الاجتماعية، العدد 16، 2014 249 248 م
في القرن السابع عشر ظهر أب الصحافة La Gazette ، ويعتبر مؤسس الكزيتة بعد قرنين، لأنه كان يطبع المنشورات ويوزعها كذلك بانتظام وبعده غوتنبرغ، إذ تحصل على رخصة من ملك فرنسا في أكتوبر بمساعدة ريشوليو على طبع وتوزيع وبيع الصحافة، وكل المحاضرات والملتقيات وأسعار البضائع، وهي رخصة خاصة به وحده. أما في القرن الثامن عشر سمي الصحفيون بالمخبرين، وكان دورهم ينحصر في اقتناء الأخبار بكل الوسائل، ويقال عنهم بأنهم أولئك اللذين يحسنون السماع لما يجري وراء الأبواب، ويعتبر ما وقع بين القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر من أحداث مختلفة اقترنت بها الصحافة والطبع، هو ميلاد مجلات علمية وأسبوعيات سياسية وثقافية في بريطانيا وفي القارة الأوروبية، وقد وجد المثقفون من خلالها مجالا للتعبير عن آرائهم ومعتقداتهم، وكانت بداية ما يسمى بالصحافة الأدبية. ولكن الإعلام بالمفهوم العلمي لم يكن موجودا قبل القرن التاسع عشر. لكن بعض المؤرخون يرجع تاريخ صدور الصحف إلى عصور قديمة جدا لكنهم يختلفون فينا يخص أول ظهور للصحافة في العالم، هناك ثلاث تيارات في هذا الشأن، كل تيار له مرجعيته الخاصة، وحججه المبررة للتاريخ المتفق عليه، التيار الأول يرى أن الصحف ظهرت أول مرة في مصر، في شكل نقش الحجر، بينما التيار الثاني يرى أن أول قدماء الجرائد كانت في الصين، وهو المكان الذي عرف فيه الأول مرة الورق في عصر المسيحية، في حين التيار الثالث يميل إلى العرب و يرى أن ظهور أول الصحف في العالم كان هناك، حيث يعتبرون بأن المعلقات التي كانت تعلق في الجاهلية على ستائر الكعبة هي الأم الحقيقية للصحف المنشورة. بالنسبة للمصريين القدماء أقدم صحيفة عسكرية نقشت على الحجر من وجهين وأشرف على تحريرها بحذق و مهارة شخص كان يدعى بتاح، وجرى توزيعها شهريا على قادة الجيش و، طليعة الحكام وبلغ مجموع نسخها حوالي المائة، وحليت هاماتها بصورة الفرعون الأكبر مينا ومن حوله لفيف من الأسرى قطعت رؤوسهم و وضعت بين أقدامهم، واشتملت موادها على أنباء المعارك والقادة وأعمال الجنود، ولم ينسوا أن يبرزوا فيها لونا من ألوان التعبير الرمزي الذي تنتهجه اليوم صحافة القرن العشرين بأن رسموا ثورا ينطح قلعة تعبيرا عن انتصار الملك على أعدائه.
بالنسبة للصينيين، الصين هي المكان الذي عرف فيه لأول مرة الورق في عصر المسيحية، وهو أيضا موطن أول إبداع مطبعي و ( هنا إشارة إلى فكرة تابلير، حيث كانت النصوص تنشر على الخشب إضافة إلى أولى الدوريات الرسمية للجهاز الملكي التي تطورت في عهد طائق 6180-1.907 بالنسبة للعرب، فقد كانت هناك المعلقات التي كانت تعلق على أستار الكعبة في الجاهلية و تعرف بالمعلقات السبع، وهي لسبعة من شعراء الجاهلية وأعظمهم أمراء و يمكن اعتبار المعلقات من أقدم صور الصحيفة في العالم العربي زمن الجاهلية، وهي صحائف معلقة تنقل فكرة من شاعر من قبيلة معينة سائرا لقبائل فالمعلقات تمثل أنضج صور الشعر الجاهلي شكلا ومضمونا، إنها تحمل طبيعة نقل الأفكار كأوضح ما تكون. عرفت المعلقات في أنحاء عديدة من العالم لكنها لم تكن قصائد شعر، بل كانت عبارة عن نشرات تحمل أخبارا مثل معلقات بوليوس قيصر، فقد كان يصدر نشرة يومية ويعلقها في الأماكن العامة ليعلم الناس أخبار الدولة، وكانت هناك العديد من صور المعلقات في عصرنا الحاضر، وهي نفس إعلانات الصحف التي يطلب فيها القبض على مذنب هرب من العدالة، عن طفل مفقود عن شخص متوفي، أو بيع بالمزاد العلني، بل نحن نرى ذلك في المدارس والمعاهد أو الجامعات ودور الحكومة والأندية الرياضية و الاجتماعية، ويدخل في ذلك ما يصدره المعارضون و الثوار من منشورات تحريضية تضم أخبارا و تدعو إلى فعل، بل صحف الحائط أيضا التي من أشهرها اليوم صحف الحائط في يكين العاصمة الصينية، إذ كان ذلك يتخذ شكل ورقة، وهو الاسم الإنجليزي News للصحيفة، أما اسمها وهي تحمل الأخبار فهو News Paper . علما أن المعلقات تحولت فيما بعد إلى صحف متداولة، حيث وجدت الأوراق الخبرية المنسوخة في إنجلترا في القرن الثالث عشر، وكذا في كل من ألمانيا وايطاليا وهولندا. هكذا كان المناخ الجديد الذي ساد غرب أوروبا وشمالها عندما أصاب المدن والموانئ بها الكثير من الرخاء، نتيجة الاستكشافات الجغرافية و عبور الأطلنطي إلى الأمريكيتين، وظهور الطبقة البرجوازية، وهم سكان المدن أو الطبقة الوسطى من أصحاب المصالح التجارية والصناعية. وتبع ذلك حدوث الانشقاق البروتستانتي والإصلاح الديني و في ظل هذه البيئة الجديدة كان لابد أن تظهر المطبعة مثل ما ظهرت الأوراق الخبرية ثم الصحف. وقد أتاحت المطبعة طباعة الإنجيل حيث ا نفس المرجع، ص ص 249 250
كان أول ما طبع غوتنبرغ مخترع المطبعة وبذلك بدأ يشيع الكتاب المقدس بين الناس في أوروبا بعد أن كان وقفا على الخاصة والكهنة، ثم انتشار الأوراق الخبرية بمعنى ورقة خبرية . قد أخذت الصحف تتكاثر لتغطي حاجة المجتمعات الحديثة حتى وصل عددها في نهاية القرن السابع عشر ميلادي إلى 140 صحيفة ثم تضاعف العدد بعد ذلك مرات ومرات، ثم ظهرت الصحف الحديثة التي حمل بعضها اسم ورقة وبعضها الآخر اسم الأخبار مع الحرص في الكثير منها على أن يكون الاسم معبرا عن الخبر والآنية. هذه التحولات صبغت المجتمعات الحديثة في أوروبا الغربية وأمريكا، إذ أن تطور الصحافة وتسييسها أدى إلى ميلاد رأي عام حقيقي و تأسيس الدولة، الشمالية، علما أن ثورات القرن الثامن عشر ساهمت في تطوير الإعلام، ولقد غير عصر الأنوار رأي المواطن في الإعلام، وكذلك اهتمامه بالمشاكل العمومية حيث يرتبط ميلاد الصحف العملاقة الذي تطلب حقبة قصيرة لهذا التطور الهائل بالصناعة، وأصبحت القوانين الاقتصادية تتحكم فيها. كما تقبلت الصحافة العقيدة الليبرالية كمبدأ المنافسة، وأصبح الإعلام يمثل سوقا والمنافسة شغلها الشاغل الدائم لكسب أكبر عدد من القراء في مختلف الطبقات، و كذا لتوسيع شبكة المصادر . 2 ا نفس المرجع، من من 250 251 نفس المرجع، ص ص 250 251
الفصل الثاني: تطور الصحافة المكتوبة في العالم العربي
المبحث الأول: الصحافة المكتوبة العربية
تطلق في اللغة العربية كلمة الصحف على المنشورات الورقية الدورية، ولعل أبرز هذه المنشورات الجرات و المجلات، و لما عرف العرب الصحافة في مطلع القرن التاسع عشر لأول مرة، كانوا يطلقون عليها لفظة الوقائع. و حين أنشأ خليل الخوري سنة 1858م صحيفة: حديقة الأخبار، وهي أول صحيفة عربية بالمفهوم الحديث، أطلق عليها التعريف الفرنسي جورنال، وكان أول من اختار لفظة صحيفة الكونت: رشيد الدحداح، إلا أن أحمد فارس الشدياق صاحب جريدة الجوانب استعمل لفظة جريدة، و هي مأخوذة عن الجرائد أي قضبان النخل المجردة من خوصها، ومن هنا كانت التسمية مجازية بمعنى أن الجريدة هي ما يكتب عليها، كما استعمل الفس لويس صابونجي صاحب مجلة النحلة لفظة: نشرة بمعنى جريدة أو مجلة. و قد ظل أرباب الصحف في القرن التاسع عشر لا يفرقون بين الجريدة والمجلة إلى أن تولى الشيخ إبراهيم اليازجي إصدار مجلة الطبيب سنة 1884م بالاشتراك مع الدكتور بشارة زلزل و خليل سعادة فاستعمل لفظة مجلة و هو يقصد بها الصحيفة العلمية أو الأدبية أو الانتقادية و ما شابهها، والمجلة مشتقة من فعل جلا وجلالة أي عظم وكبر و علا مقاما وقدرا و حكمة، والمجلة هي الكراسة التي فيها الحكمة، وفي تفسير آخر و هو الأقرب إلى الصواب المجلة مشتقة من مادة جلا جلاء أي ظهر و وضح، و منها جلية الأمر أي ما ظهر على حقيقته، أي الخبر اليقين. 10
غير أن الصحافة بمعناها المتعارف عليه اليوم لم تصل إلينا إلا على يد الشيخ نجيب الحداد منشئ صحيفة لسان العرب في الإسكندرية وحفيد الشيخ ناصيف اليازجي و هو أول من استعمل لفظة الصحافة بمعنى صناعة الصحف والكتابة فيها، ومنها أخذت كلمة صحافي . كما عرف الوطن العربي مجموعة الصحف المتخصصة تقوم على خدمة الحاكم، عندما ظهرت أول جريدة سنة 1828 م باسم جورنال الخديوي في مصر، كذلك تخصصت جريدة مرأة الأحوال، و هي أول جريدة عربية تصدر في الأستانة عاصمة الدولة العثمانية سنة 1854م لخدمة الوالي العثماني و نشر فرمانات و تعيينات حكام الولايات. و في عصر محمد على كان ممنوعا على العامة قراءة الصحف لأنها كانت مقتصرة فقط على الحكام وعندما انتشرت الصحف بعد ذلك في مصر في عهد الاحتلال البريطاني وفي بقية الدول العربية تمت الصحافة المتخصصة الحديثة. سنة 1863 م ظهرت أول جريدة عربية مصورة دينية باسم أخبار عن انتشار الإنجيل في أماكن مختلفة و كان يحررها رجال الكنيسة والمبشرون الأمريكيون في بيروت، وكان الفس هم أول من بادروا بإنشاء الصحف الدينية المتخصصة، ويرجع ذلك إلى أن المسيحيين هم أول من أنشأ المطابع في سوريا و لبنان سنة 1732. أما الصحف الدينية الإسلامية فقد ظهرت في أوائل القرن العشرين كوسيلة لإثارة همم المسلمين لمجابهة الاحتلال الأجنبي، وتذكيرهم بتاريخهم وبطولاتهم، فمثل هذه الصحف لم تكن دينية في توجهها بقدر ما كانت صحفا وطنية وسياسية وأدبية وتمثل صحيفة المؤيد للشيخ علي يوسف و اللواء لـ مصطفى كامل مثالا لهذا النوع من الصحف. 2 بعدها، شهد الوطن العربي ولادة تجربة إعلامية جديدة في ثلاثة دول تصدرتها المغرب تلتها مصر ثم السودان في إصدار الصحف المجانية. ففي المغرب صدرت أو فيت) أول صحيفة إخبارية يومية مجانية ناطقة باللغة الفرنسية توزع في المغرب صدرت مطلع مارس 2007 ، ويرأس تحريرها إبراهيم السدراتي فضلا عن فريق تحرير يضم سبعة صحفيين شباب. أما العاصمة المصرية القاهرة فقد شهدت توزيع (24) ا محمد خليل الرفاعي، الصحافة المتخصصة، منشورات الجامعة الافتراضية السورية، سوريا، 2020، ص ص 43. نفس المرجع، من من 1615 11
ساعة أول صحيفة يومية مجانية ناطقة باللغة العربية في مصر تجمع بين فنون التحرير الصحفي فضلا عن المساحة المخصصة للإعلان، صدرت منتصف أكتوبر 2007، ويرأس تحريرها سمير رجب. وفي العاصمة السودانية الخرطوم (الأحداث) كانت أول صحيفة يومية سياسية مجانية ناطقة باللغة العربية توزع في السودان، ويرأس تحريرها عادل الباز . المبحث الثاني: الصحافة المكتوبة في الجزائر تشير الدراسات إلى أن الجزائر لم تعرف الصحافة المكتوبة قبل سنة 1830م، فعندما تجهز الجيش الفرنسي لغزو الجزائر حمل معه مطبعة و هيئة تحرير تشرف على إصدار أول جريدة هي: Sidi Fredj التي تعد بمثابة صلة ربط داخل الجزائر، فكانت أول صحيفة تصدر مع نزول الجيش الفرنسي على التراب الجزائري باللغة الفرنسية، يشرف ضابط من الجيش الفرنسي، حيث تضمنت معلومات عن الحملة الفرنسية مع بعض الأخبار السياسية الخاصة بفرنسا، وكانت توزع على الجنود وعلى المصالح المكلفة بالحرب على الجزائر . 2 اقتصرت الصحافة في البداية على نخبة الأعيان المثقفين من الجزائريين لأنهم كانوا على ثقافة عالية، من بين هذه النخبة حمدان بن عثمان خوجة الذي كان يشغل منصب رئيس وزارة الداي و كذلك السيد بوذية الذي كان تاجرا و قنصلا للداي في مدينة مرسيليا وغيرهما، بواسطة هؤلاء بدأ المجتمع الجزائري يعرف الصحافة، وظهرت في الخمسة عشر سنة التي تلت الاحتلال العديد من الصحف في عدة مدن. مع بداية سنة 1847 وجد الفرنسيون أنفسهم مضطرين لإيجاد وسيلة تخاطب بينهم و بين الشعب الجزائري، فكانت هذه الوسيلة هي تأسيس جريدة باللغة العربية، فكانت جريدة المبشر . . ا سعد سلمان المشهداني الصحافة العربية والدولية، دار الكتاب الجامعي، ط 1 الإمارات العربية المتحدة 2014 186 185 ص ص فرحات مهدي دور الصحافة المكتوبة في تكوين الرأي العام في الجزائر : جريدة الشروق اليومي نموذجا، مذكرة ماجستير، جامعة وهران، كلية العلوم الإنسانية و العلوم الاجتماعية 2009 - 2010، ص 80 الزبير سيف الإسلام، رواد الصحافة الجزائرية، ط 1 مطابع دار الشعب مصر، 1981، من من 10، 11. 12
ثم ظهرت صحف أخرى ذات طابع حكومي و استعماري كجريدة الأخبار التي بدأت تصدر في مدينة الجزائر سنة 1839م و عرفت رواجا كبيرا حتى سنة 1898م، و يمكن تصنيف الصحف التي ظهرت قبل الاستقلال إلى عدة أصناف انطلاقا من الأهداف السياسية التي ترمي إليها، فنجد: الصحافة الحكومية سنة 1847م، صحافة أحباب الأهالي سنة 1882م، الصحافة الاستقلالية سنة 1930 م. 1 لقد كانت الحكومة الفرنسية تشرف على الصحافة بواسطة ممثليها في الجزائر، و هم الوالي العام و معه جميع الإدارة الفرنسية. بدأت الصحف بالظهور منذ سنة 1847م واستمرت دون انقطاع حتى سنة 1956م توقف جريدة النجاح، لأن الصحافة الحكومية كانت ركيزة لتثبيت الوجود الاستعماري و بسط نفوذه، أما بالنسبة لصحافة الأهالي فقد كانت بعد تأسيس الجمعية الفرنسية لحماية الأهالي سنة 1881 م و كانت تهدف إلى تحقيق سياسة المشاركة، وقررت في بداية نشاطها إنشاء جريدة بمدينة قسنطينة تحت اسم المنتخب التي ظهرت سنة 1882 م. أما الصحافة الأهلية فقد كانت تسير إداريا وماليا من طرف الجزائريين و كذا من ناحية التحرير و التوزيع، أما مضمونها فيتعلق بالقضايا والشؤون العامة الجزائرية في علاقتهم بالوجود الفرنسي بالجزائر مع اعترافهم بهذا الوجود، وقد عرف هذا النوع الأخير ازدهارا كبيرا و تطورا واسعا، كانت بدايته منذ سنة 1893 م مع تأسيس جريدة الحق في عنابة. بالنسبة للصحافة الاستقلالية فهي لم تعترف بالوجود الفرنسي في الجزائر، بل أخذت تحاربه بشدة و تنشر ما يقوي الوعي السياسي بوجود أمة جزائرية و بضرورة استرجاع الاستقلال. بعد الاستقلال كانت الصحافة المكتوبة خاضعة لهيمنة الحزب والحكومة، فالوضع القانوني و الإعلامي في الجزائر لم يتغير و بقي العمل جاريا حسب التشريع الفرنسي، وصدرت العديد من الصحف التي يملكها الجزائريين، وظهرت ثلاث أنواع من الصحف: صحف تابعة للحكومة، صحف تابعة للحزب و صحف تابعة للملكية الخاصة. 13 ا فرحات مهدي نفس المرجع نفس الصفحة.
تغير مضمون الجرائد بصفة جذرية بعد الاستقلال، لكن الحكومة الجزائرية كانت تنظر إليها بشيء من التخوف، وبدأت تفكر في الطريق الأنجح لتصفية الملكية الخاصة، فرأت أنه ينبغي إلغاء ما هو موجود من الصحف وإنشاء صحف جديدة وتقويتها. أول يومية صدرت في الجزائر كانت في 19 سبتمبر 1962 م و باللغة الفرنسية و هي جريدة الشعب جاء قرار إصدارها من طرف المكتب السياسي لجبهة التحرير الوطني. . بعد ذلك صدرت يوميتان باللغة الفرنسية، جريدة الجمهورية في وهران بتاريخ 29 مارس 1963 م. و الثانية جريدة النصر في قسنطينة في سبتمبر 1963 م. بدأ التفكير في القضاء على الصحافة الاستعمارية لأن البديل أصبح موجودا، لهذا قرر المكتب السياسي الجبهة التحرير الوطني في 17 سبتمبر 1963 تأميم اليوميات الفرنسية التي بقيت تصدر في الجزائر. كانت الحكومة بعد ذلك تسعى للقضاء على الملكية الخاصة في الميدان الإعلامي، وإلغاء الصحافة الخاصة و توجيه الصحافة الحكومية حتى تصبح أداة من أدوات الدولة لتعزيز سياستها، وأصبحت جميع الصحف اليومية تتبع الحكومة. ثم أصدرت السلطات السياسية نصوصا تعتبر قاعدة أساسية للنشاط الإعلامي في الجزائر، في جانفي 1979 وافق المؤتمر الرابع على لائحة خاصة بالإعلام، و سنة 1982 ظهر قانون الإعلام، ثم وضعت اللائحة الإعلامية التي وافق عليها مؤتمر الحزب برنامج عمل يؤكد على ضرورة تنويع الصحافة المكتوبة، بإصدار صحف جهوية ومتخصصة حتى تخلق حركية جديدة في الوضع الإعلامي في دستور 1989 الذي أقر التعددية الحزبية، تم فتح المجال للحريات وظهرت التعددية الإعلامية بصدور قانون الإعلام سنة 1990 م. 2 14 ا نفس المرجع، ص ص 81 - 85 نفس المرجع، ص ص 86 - 92
خاتمة
تعد الصحافة المكتوبة من أهم الوسائل والوسائط التي تنقل للمواطن الأحداث التي تجري في محيطه القريب والبعيد. تتمتع الصحافة المكتوبة بقوة الكلمة المطبوعة و العامل النفسي من خلال اختيار الأخبار و تقديمها بطرق شتى، لكن في أيامنا هذه لم تعد الصحيفة سوى مشروع تجاري، مما يعرض استقلالها للخطر . لكن رغم كل الضغوطات التي تتلقاها الصحف بما في ذلك منافسة وسائل الإعلام الأخرى، التي أدت إلى تراجع مكانتها تضل الصحيفة الأداة التي لا يستغني عنها الإنسان لتملأ فراغه أو ليقرأها قراءة عابرة و يبقى لها جمهورها.
